محمد أبو زهرة

1972

زهرة التفاسير

أن الأذى والفتنة في الدين ظلم لا ريب فيه ؛ لأنه تضييق على حرية الاعتقاد ، وإكراه في الدين ولا ظلم أبلغ من سلب الحرية الدينية ، وإرهاق المؤمن في إيمانه . وإن الذين يوغلون في الجحود والظلم لا ترجى لهم توبة ، وإذا كانت توبتهم لا ترتجى ، فالغفران لهم لا يرجى ؛ لأن الغفران نتيجة التوبة من الجاحدين الظالمين ، وما كانت التوبة للذين يعملون السيئات ، وتستغرق نفوسهم ، ولا يتجهون إلى الله قط ، ولذلك قال تعالى : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ اللام في قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَهُمْ هي التي تسمى في اصطلاح النحويين لام الجحود ، أي لام النفي المطلق ، أي النفي الذي يكون ناشئا عن طبيعة موضوعة ، وعلى ذلك يكون المعنى لم يكن من حكمة الله تعالى ، وتدبيره الحكيم أن يغفر لهم ؛ لأن حالهم تنفى الغفران إذ تنفى سببه ، وهو الإقلاع عن الكفر والظلم ، والندم على ما وقع منهم ، وإذا كان ذلك لا يتحقق ، فالنفى المؤكد ، والجحود المطلق لاستحقاق المغفرة مؤكد ، إذ لا يقابل جحودهم بالله إلا جحود الغفران لهم ، وإن الهداية إلى الحق تبتدئ بالاتجاه السليم إلى طلبه ، والسير في طريقه المستقيم ، وأولئك الذين أوغلوا في الشر وساروا في طريقه ، أو غابوا في صحرائه وبعدوا عن الجادة لا يمكن أن يهديهم الله تعالى إلى الطريق المستقيم ، لأنهم بعدوا عنه بعدا شديدا ، ولا يمكن أن يسمعوا نداء الحق ؛ لأنه لا يصل إليهم صوته ، وقد اختفت من قلوبهم أماراته ، فهداية الله تعالى إنما تكون لمن لم يبعد عن طريق الخير ، ولا تكون إلا إذا اتجهت النفوس إلى طلبه ، ولم تحط بها الخطايا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ( 11 ) [ الرعد ] . والآية الكريمة تتضمن بيان حقائق : الأولى - أن الظلم وإرهاق النفس بالإكراه أشد الموبقات التي توبق أعمال العبيد ، وترهقهم ، وإن ظلم العباد لا يغفره الله تعالى إلا إذا عفا الذين وقع الظلم عليهم ، ولذلك ذكر امتناع الغفران مقرونا بالظلم ، ومسببا له ، وثمرة مترتبة عليه .